المطران منیر حنا یکتب لـ”العاصمه الثانیه”: الإصلاح وتجدید الخطاب الدینى

534843_10150943555278121_2083033716_n

الاسبوع الماضى احتفلت کنائس عدیده بمرور خمسمائه عام على حرکه الاصلاح التى بدأها الراهب الکاثولیکى مارتن لوثر الذى کان یرجو أن تقوم الکنیسه باصلاح بعض الافکار والممارسات الخاطئه التى حدثت فى الکنیسه فى ذلک الوقت، الا أن ثقافه النقد الذاتى لم تکن مقبوله حینئذ، وأیضاً کان تغییر الفکر السائد أمراً فى غایه الصعوبه، لذلک رفضت الکنیسه الکاثولیکیه افکار مارتن لوثر ولم تحاول أن تبدأ معه حواراً بناءاً لصالح وحده الکنیسه، وهذا بدوره أدى الى انقسام الکنیسه بل وأدى إلى الحروب الدینیه فى أوروبا والتى استمرت من ۱۵۲۴ وحتى ۱۶۴۸ .

لکن الامر الرائع والمدهش الذى یستحق الاحترام والتقدیر هو أن البابا فرنسیس وهو بابا الکنیسه الکاثولیکیه فى العالم، ذهب الى السوید للاحتفال مع الکنیسه اللوثریه بمرور ۵۰۰ عام على الاصلاح وهذا موقف حضارى رائع من الکنیسه الکاثولیکیه یبین التحول الفکرى الذى حدث خلال القرون الخمسه الماضیه.

فلاشک أن هذا الاصلاح أدى إلى تغییر جذرى فى أوروبا من حیث الفکر والثقافه وهذا أدى إلى نهضه أوروبا الحدیثه.

والدروس التى نحتاج أن نتعلمها الیوم تتلخص فى أمرین: أولاً: أن نرحب بالنقد الذاتى ولا ننظر الیه کتهدید لایماننا وعقائدنا، وأن نتحاور مع من ینقد بطریقه حضاریه وثانیاً: اننا فى حاجه مستمره الى مراجعه الممارسات الموروثه التى تعودنا علیها (التراث) دون أن نتنازل عن ثوابت الایمان والعقیده.

وکلمه اصلاح باللغه الانجلیزیه هى  Reformation وتعنى “اعاده التشکیل” ، فنحن فى حاجه دائماً الى تصحیح مسارنا اذا حدث انحراف فى أفکارنا وثقافتنا او اذا حدثت تغیرات وتطورات فى عالمنا تتطلب منا التکیف والملائمه دون ان نتنازل عن ثوابت ایماننا وعقیدتنا التى تحقق هدف الله من خلق الانسان، لذلک یجدر بنا أن نرنم مع  الملک داود ما کتبه فى المزمور ۱۳۹ وعدد ۲۳ و۲۴ “اخْتَبِرْنِی یَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِی. امْتَحِنِّی وَاعْرِفْ أَفْکَارِی وَانْظُرْ إِنْ کَانَ فِیَّ طَرِیقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِی طَرِیقًا أَبَدِیًّا”، وهنا یضع داود احتمالیه السیر فى الطریق الباطل لذلک یصلى ویدعو الله أن یختبره ویهدیه .

ونحن بحاجه أن نتضع ونطلب ما طلبه داود سواء على المستوى الشخصى أو على مستوى المجتمع کله، أى إننا بحاجه إلى اصلاح مستمر.

ونحن بحاجه الى قبول المصلحین والمجددین فى مجتمعنا بل اننا بحاجه الى الترحیب بهم ومنحهم المساحه التى من خلالها یعرضون ارائهم ، فنسمع لهم ونتحاور معهم حتى نصل الى ما یفید المجتمع.

وتاریخ الاصلاح فى کنیسه انجلترا او کما تسمى الیوم الکنیسه الانجلیکانیه الاسقفیه یعلمنا أن مقاومه المصلحین تؤدى حتماً الى زیاده أعداد المؤمنین بافکارهم الاصلاحیه.

فنحن نعرف أن الملکه مارى التى تربعت على عرش انجلترا وکانت معارضه للاصلاح الذى قام به رئیس أساقفه کانتربرى توماس کرانمر وأساقفه آخرین، لهذا قامت بحرقهم بالنار فى مدینه اکسفورد الا أن الالاف الذین شاهدوا هؤلاء الاساقفه وهم یحترقون من أجل فکر الاصلاح، ازدادوا ثقه ویقیناً إن فکر هؤلاء المصلحین لابد وان یکون صحیحاً لانهم کانوا مستعدین أن یضحوا بحیاتهم فى سبیل هذا الفکر، لذلک تمسک الناس بهذا الفکر الجدید وهکذا انتشر الاصلاح فى انجلترا بالرغم من حرق المصلحین.

وانتقل الآن إلى موضوع تجدید الخطاب الدینى، وهذا الموضوع الذى یذکر کثیراً فى الصحف وکل وسائل الاعلام خاصه فى الاعوام القلیله الماضیه الا اننى أرى أننا نتعامل مع هذا الموضوع بطریقه غیر منطقیه، فالخطاب الدینى ما هو الا نتاج أو ثمر الفکر السائد، فاذا کان الفکر السائد متطرفاً فإن الخطاب الدینى سیکون متطرفاً ، واذا کان الفکر السائد فکرا متحضرا فان الخطاب الدینى سیکون سمحا و متعقلا لذلک فإن الحاجه إلى الاصلاح الفکرى وهذا سیؤدى حتماً إلى تجدید الخطاب الدینى بما یناسب العصر الذى نعیش فیه دون أن یؤدى ذلک إلى اختزال الثوابت وجوهر الایمان أو التغاضى عن مبادئ واخلاقیات مجتمعنا الشرقى.

وختاماً أکرر إن الترحیب بالمصلحین والمجددین وتشجیعهم یؤدى إلى اصلاح فکرى ومجتمعى دون أن تحدث تلک الانقسامات التى حدثت فى أوروبا منذ خمسمائه عام، وهذا ما نحتاجه الیوم.

المطران د / منیر حنا أنیس

مطران أبروشیه الکنیسه الأسقفیه بمصر وشمال أفریقیا والقرن الافریقى